فصل: تفسير الآيات (165- 167):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (158):

{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)}
قلت: {الصفا} في أصل الوضع: جمع صفاة، وهي الصخرة الصلبة الملساء، يقال: صفاة وصفا، كحصاة وحصى، وقطاع وقطا، ونواة ونوى. وقيل: مفرد، وتثنيته: صفوان، وجمعه: أصفاء، و{المروة} مَا لاَنَ من الحجارة وجمعه مرو ومروات، كتمرة وتمر وتمرات. والمراد هنا جَبَلانِ بمكة، و{شعائر الله}: أعلام دينه، جمع شعيرة أو شعارة، والشعيرة: كل ما كان معلماً لقربان يتقرب به إلى الله تعالى، من دعاء أو صلاة أو أداء فرض أو ذبيحة.
والحج في اللغة: القصد، والعمرة: الزيارة، ثم غلباً شرعاً في العبادتين والمخصوصتين.
وقرأ الأخَوَان وخلف: {يَطّوعْ} بلفظ المضارع، مجزوم اللفظ، وهو مناسب لقوله: {أن يطوف}، أصله: يتطوع، أُدغمت التاء في الطاء لقرب المخرج، والباقون بلفظ الماضي، مجزوم المحل، وهو مناسب لقوله: {فمن حج البيت}. و{الجُناح}: الإثم، من جَنَحَ إذا مال، كأن صاحب الإثم مال عن الحق إلى الباطل، و{خيراً}: صفة لمصدر محذوف، أو على إسقاط الخافض.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن} الطواف بين {الصفا والمروة} من معالم دينه ومناسك حجه، {فمن} قصد {البيت} للحج أو العمرة {فلا جناح عليه أن يطوف} بينهما، ولا يضره الصنمان اللذان كانا عليهما في الجاهلية؛ فإن الله محا ذلك بالإسلام، {ومن تطوع} لله بخير من حج أو عمرة أو صلاة أو غير ذلك، {فإن الله} يشكر فعله ويجزل ثوابه. واختلف في حكمه، فقال مالك والشافعي: ركن لا يجبر بالدم، وقال أبو حنيفة: فرض يجبر بالدم، وقال أحمد: سنة، والله تعالى أعلم.
الإشارة: الصفا والمروة إشارة إلى الروح الصافية والنفس اللينة الطيبة، فالاعتناء بتطهيرهما وتصفيتهما من معالم الطريق، وبهما يسلك إلى عين التحقيق، فمن قصد بيت الحضرة لحج الروج بالفناء في الذات، أو عمرة النفس بالفناء في الصفات، فلا جناح عليه أن يطوف بهما؛ ويشرب من كأسهما، حتى يغيب عن حسّهما، ومن تطوّع خيراً ببذل روحه لله، والغيبة عنها في شهود مولاه، فإن الله يشكر فعله، وينشر فضله ويظهر خيره، ويتولى أمره، والله ذو الفضل العظيم.

.تفسير الآيات (159- 162):

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162)}
قلت: الضمير في {فيها}: يعود على اللعنة أو النار، وإضمارها قبل الذكر تفخيماً لشأنها، وتهويلاً لأمرها.
يقول الحقّ جلّ جلاله في شأن أحبار اليهود حيث كتموا صفة الرسول صلى الله عليه وسلم: {إن الذين يكتمون} ما أنزلناه عليهم في كتابهم من صفة محمد- عليه الصلاة والسلام- من الآيات لاواضحات في شأنه، وبيان صفته وبلده وشريعته، وما يهدي إلى وجوب اتباعه، والإيمان به، {من بعد ما بيناه للناس} في التوراة، {أولئك} الكاتمون {يلعنهم الله} ويطردهم عن ساحة رحمته، {ويلعنهم} الجن والإنس، وكل ما يتأتيى منه اللعن كالملائكة وغيرهم. {إلا الذين تابوا} من الكتمان، وكل ما يجب أن يتاب منه، {وأصلحوا} ما أفسدوا من الدين بالتدارك، {وبينوا} ما كتموا {فأولئك أتوب عليهم} وأرحمهم {وأنا التّواب الرحيم} أي: المبالغ في قبول التوبة وإفاضة الرحمة، وأما من مات على الكفر ولم يتب فأولئك {عليهم لعنة الله}، ومن يُعْتَدّ بلعنته من {الملائكة والناس أجمعين} خالدين في اللعنة أو في النار {لا يخفف عنهم العذاب} ساعة، ولا هم يمهلون عنه، أو لا ينتظرون للاعتذار أو الفداء.
الإشارة: ما قيل في أحبار اليهود يقال مثله في علماء السوء من هذه الأمة، الذين ملكتهم جيفة الدنيا، وأسرهم الهوى، الذين يقبضون الرّشَا على الأحكام، فيكتمون المشهور الواضح، ويحكمون بشهوة أنفسهم، فأولئك يلعنهم اللاعنون، وفي ذلك يقول ابن المبارك- رحمه الله-:
وهل أَفْسَدَ الدينَ إلا الملوكُ ** وأحْبَارُ سُوءٍ ورُهْبَانُهَا

وباعُوا النفوسَ ولم يَرْبَحُوا ** ولم تغْلُ في البَيْع أثْمَانُهَا

لقدْ رتعَ القومُ في جِيفَةٍ ** يَبِينُ لذِي العَقْلِ إنْتَانُهَا

وكان يحيى بن معاذ الرازي رضي الله عنه يقول لعلماء وقته: (يا معْشرَ العلماء، ديارُكم هَامَانيَّة، وملابِسُكُم قَارُونية، ومَرَاكِبُكُم فرعونية وولائمُكُمْ جالوتية، فأين السنّةُ المحمدية؟). إلا مَن تاب وأصلح ما أفسد، وبيَّن ما كتم، فأولئك يتوب الله عليهم.
تنبيه: العلم باعتبار وجوب إظهاره وكتمه على ثلاثة أقسام:
قسم يجب إظهاره، ومَنْ كَتَمَه دخل في وعيد الآية، وهو علم الشريعة الظاهرة، إذا تعيَّن على المسؤول بحيث لم يُوجَد من يُفتِي في تلك النازلة.
وقسم يجب كتمه، وهو علم سرّ الربوبية، أعني التوحيدَ الخاص، فهذا لا يجوز إفشاؤه إلا لأهله، وهو من بذل نَفْسَه وفَلْسَهُ وخَرقَ عوائد نفسه، فهذا لا يحل كتمه عن إذا طلبه.
وقسم يُستحب كتمه، وهو أسرار القدَر المُغَيَّبَات، فهذا من باب الكرامات يستحب كتمها ولا يجب، والله تعالى أعلم.
هنا انتهى العتاب لبني إسرائل والكلام معهم، وابتداؤه من قوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم...}، وإنما تخلَّل الكلامَ ذكرُ إبراهيم وبنيه توطئةً لنسخ القبلة الذي أنركوه، فذكر بناء الكعبة وبيان شرفها، وانجزَّ الكلام إلى ذكر الصفا والمروة لقرب المناسبة والجوار. فلما فرغ من عتابهم دلَّهم على التوحيد، وشاركهم في ذلك غيرهم.

.تفسير الآيات (163- 164):

{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)}
قلت: {إلهكم إله واحد} مبتدأ وخبر، وجملة {لا إله إلا هو}: تقرير لها وتأكيد، و{الرحمان الرحيم}: خبران آخران، أو عن مبتدأ مضمر، وأنث {الفلك} لأنه بمعنى السفينة، و{من السماء} ابتدائية، و{من ماء} بيانية، و{بث}: عطف على {أنزل} أو {أحيا} لأن الحيوانات تنمو بنزول المطر والخصب، والبث: النشر والتفريق و{تصريف الريح}: هبوبها من الجهات المختلفة.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإلهكم} يا معشر العباد الذي يستحق أن يعبد {إله واحد} لا شريك له، ولا نظير، ولا ضد له ولا ند، {لا إله إلا هو}، إذ لا يستحق العبادة غيره، إذ هو {الرحمن} بنعمة الإيجاد {الرحيم} بنعمة الإمداد، فكل ما سواء مُكونٌ مخلوق، إما مُنْعَم عليه أو نعمة، فلم يستحق العبادة غيره.
ثم برهن على وجوده، وثبوت وحدانيته بثمانية أمور، فقال: {إن في خلق السماوات} طباقاً متفاصلة مرفوعة بغير عمد، وما اشتملت عليه من الكواكب والبروج والمنازل، وفي {الأرض} وما اشتملت عليه من الجبال والبحار والأنهار والأشجار وأنواع الثمار، وفي {اختلاف الليل والنهار} بالطول القصَر، أو تعاقبها بالذهاب والمجيء، {و} في {الفلك التي تجري في البحر} بقدرته مع إمكان رسوبها إلى الأسفل، متلبسة {بما ينفع الناس} من التجارة وغيرها. وقال البيضاوي: القصد بالاستدلال بالبحر وأحواله، وتخصيص الفلك بالذكر لأنه سبب الخوض فيه والاطلاع على عجائبه؛ ولذلك قَدَّمه على ذكر المطر والسحاب، لأن منشأهما منه في الغالب. اهـ.
{و} في {ما أنزل الله من السماء من ماء} من غير ظهور مادة سابقة، بل تُبرزه القدرة من عالم الغيب قريب عهد بالله، ولذلك (كان عليه الصلاة والسلام يَتَمَطَّر) أي: يَنْصُبُ وجهه للمطر إذا نزل تبركاً به، {فأحيا} الحقّ تعالى بذلك المطر {الأرض بعد موتها} ويُبْسِها، بالنبات والأزهار وأصناف النّوار والثمار، وفيما نشر {فيها من كل دابة} من النملة إلى الفيلة، {و} في {تصريف الرياح} وهبوبها من جهات مختلفة، وهي الجهات الأربع وما بينها بصفات مختلفة، مُلَقِّحَةٍ للشجر وعقيم وصرِ، وللنصر والهلاك {و} في {السحاب المسخر} أي: المذلَّل {بين السماء والأرض} لا يسقط ولا يرتفع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما، أو مسخر للرياح تُقَلِّبه في جو السماء بمشيئة الله {لآيات لقوم يعقلون}. أي: تلك المخلوقات آيات دالّة على وحدانيته تعالى وباهرٍ قدرته، و{لَوْ كَانَ فِيهِمَآ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22].
وفي الآية حَضٍّ على التفكر، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «ويلٌ لِمَنْ قَرأَ هَذهِ الآيةِ فَمَجَّ بِها»، أي: لم يتفكر فيها دلالة على شرف علم التوحيد العام والخاص. والله تعالى أعلم.
الإشارة: قال الجنيد: (التوحيد معنى تضْمَحِل فيه الرسوم وتندرج فيه العلوم، ويكونُ الله كما لم يزل).
قلت: وهذا هو التوحيد الخاص، أعني توحيد أهل الشهود والعيان: ثم قال: (وأصولُه خمسة أشياء: رفعُ الحدَث، وإثبات القدم، وهُجْران الإخُوان، ومفارقةُ الأوطان، ونسيان ما عَلِم وجَهِل). اهـ. قلت: قوله: (وهجران الإخوان)، يعني: غيرَ مَنْ يستعين بهم على السير، وأما من يستعين بهم فلا يستغني عنهم.
واعلم أن توحيد خلق الله تعالى على ثلاثة درجات:
الأولى: توحيد العامة: وهو الذي يعصِمُ النفس والمال، وينجو به من الخلود في النار، وهو نَفْيُ الشركاء والأنداد، والصاحبةِ والأولاد، والأشباه والأضداد.
الثانية: توحيد الخاصة، وهو أنْ يَرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده، ويشاهد ذلك بطريق الكشف لا بطريق الاستدلال، فإنَّ ذلك حاصل لكل مؤمن، وإنما مَقامُ الخاصة يقينٌ في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم الانقطاعُ إلى الله، والتوكل عليه وحده، فلا يرجوا الله، ولا يخاف أحداً سواه، إذ ليس يَرى فاعلاً إلا الله، فيَطْرَحُ الأسباب، وينبذ الأرباب.
الدرجة الثالثة: ألا يرى في الوجود إلا الله، ولا يشهد معه سواه، فيغيبَ عن النظر إلى الأكوان في شهود المُكَوَّن، وهذا مقام الفناء، فإن رُدّ إلى شهود الأثر بالله سُمي مقام البقاء. اهـ. قال بعضَه ابنُ جُزَيّ باختصار.
قلت: وفي التحقيق أنهما أنهما مقامان؛ مقام أهل الدليل والبرهان، وهو المذكور في الآية، لأنه هو الذي يطيقه جميع العباد، ومقام أهل الشهود والعيان، وهو خاص بالأفراد الذين بذلوا مهجهم في طلب الله، باعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فعوّضهم الله في الدنيا جنة المعارف، وزادهم في الآخرة جنة الزخارف.
(أهل الدليل والبرهان عمومٌ عند أهل الشهود والعيان)؛ لأن أهل الشهود والعيان قدسوا الحقّ تعالى عن أن يحتاج إلى دليل، فكيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف؟ كيف يستدل عليه بما هو في وجوده مفتقر إليه؟ أيكون لغيره من الظهور ما ليس له؟- متى غاب حتى يحتاج إلى دليل عليه؟ ومتى بَعُد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟- ولله در القائل:
لقد ظهرتَ فما تَخْفَى على أحدٍ ** إلا على أَكْمَهِ لا يُبْصِرُ القمرَا

لَكِنْ بَطَنْتَ بما أَظْهَرْتَ مُحْتَجِبا ** وكيفَ يُبْصَرُ مَن بالعزةِ استترَا

وقال آخر:
ما لِلحِجَابِ مَكَانٌ في وجُودِكُمُ ** إِلا بِسِرِّ حُروفِ انظُرْ إلى الجَبَلِ

أنتُم دلَلْتُمُ عليكُم مِنكُمُ ولكُمْ ** دَيمُومَةٌ عبَّرتْ عَنْ غاَمِضِ الأزلِ

عَرَّفْتُم بكُم هذا الخبيرَ بِكُم ** أنتُمْ هُمُ يا حياةَ القلْبِ يا أمَلِي

ولما كانت المحبة تزيد وتنقص باعتبار شهود الوحدانية، فكلما قَويَ التوحيدُ في القلب قويت المحبة؛ لانحصارها في واحد، ذكرها بأثر التوحيد.

.تفسير الآيات (165- 167):

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)}
{وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله والذين آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ...}
قلت: ويُحتمل في وجه المناسبة، أن يكون الحق تعالى لمّا ذكر دلائل التوحيد ذكّر من أعرض بعد وضوحها فأشرك معه، ليرتب بعد ذلك ما أعدَّ له من العذاب، والأنداد: جمع نِدْ وهو المِثْل، والمراد هنا الأصنام أو الرؤساء، والإضافة في {كحُب الله} من إضافة المصدر إلى مفعوله، والحُب: ميل القلب إلى المحبوب، وسأتي في الإشارة إن شاء الله.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن الناس من يتخذ من دون الله} أشباهاً وأمثالاً من الأصنام والرؤساء {يحبونهم}، وينقادون إليهم، كما يحبون الله تعالى، فيُسَوَّون في المحبة بين الله تعالى العلي الكبير، وبين المصنوع الذليل الحقير، {والذين آمنوا} بالله ووحَّدُوه {أشد حبّاً لله}؛ لأن المؤمنين لا يلتفتون عن حبوبهم في الشدة ولا في الرخاء، بخلاف الكفار فإنهم يعبدونهم في وقت الرخاء، فإذا نزل البلاء التجؤوا إلى الله. قال تعالى: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ} [النّحل: 53] الآية، وأيضاً: المؤمنون يعبدون الله بلا واسطة، والكفار يعبدونه بواسطة أصنامهم {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] وأيضاً المؤمنونن يعبدون ربّاً واحداً فاتحدت مبحتهم.
قال سعيد بن جبير: إن الله تعالى يأمر يوم القيامة مَنْ عبد الأصنام أن يدخلوا النار مع أصنامهم، فيمتنعون لعلمهم بالخلود فيها، ثم يقول للمؤمنين بين يدي الكفار: إن كنتم أحبائي فادخلوا، فيقتحم المؤمنون النار، وينادي مُنَأدٍ مِنْ تحت العرش: {والذين آمناو أشد حبّاً لله}. وفي ذلك يقول ابن الفارض:
أحِبّايَ أنتُم أحْسَنَ الدهرُ أَمَ أسَا ** فكونوا كَمَا شِئْتُم أَنا ذلك الخِلُّ

وقال أيضاً:
لَو قالَ تِيهاً قِف عَلَى جَمْرِ الغَضَا ** لوقفتُ مُمْتثلاً ولَمْ أَتَوقَّفِ

وقال آخر:
ولَو عَذَّبْتَني في النارِ حتْماً ** دخلتُ مُطاوعاً وسْطَ الجَحِيمِ

إذا كَانَ الجَحِيمُ رِضَاك عَنِّي ** فَمَا ذاكَ الجَحِيمُ سِوَى نَعِيمِ

الإشارة: المحبةُ: مَيلٌ دائم بقلب هائم، أو مراقبة الحبيب في المشهد والمغيب، أو مواطأةُ القلب لمراد الرب، أو خوف ترك الخدْمة مع إقامة الحُرْمة، أو اسْتِقْلالُ الكثير من نفسك واستكثارُ القليل مِنْ حبيبك، أو معانقة الطاعة ومباينة المخالفة، وقال الشِّبْلِي: أن تَغَار على المحبوب أن يحبه مثلك.
والمحب على الحقيقة من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه، ولا مشيئة له غير مشيئته، وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: (المحبة أخْذَةٌ من الله لقلب عبده المؤمن عن كل شيء سواه، فترى النفس مائلة لطاعته، والعقل متحصّناً بمعروفه، والروح مأخوذة في حضرته، والسر مغموراً في مشاهدته، والعبد يستزيد من محبته فيزداد، ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسي حلل التقريب على بساط القربة، ويَمَسُّ أبكارَ الحقائق وثيبات العلوم، فمن أجل ذلك قالوا: أولياء الله عرائس، ولا يَرَى العرائسَ المجرمون.
..) إلخ كلامه.
واعلم أن محبة العبد لمولاه سببُها شيئان:
أحدهُما: نظر العبد لإحسان الله إليه وضروب امتنانه عليه، وجُبِلَت القلوبُ على حب من أحسن إليها، وهذا هو المسمى بحب الهوى، هو مكتسب، لأن الإنسان مغمور بإحسانات الله إليه، ومتمكن من النظر فيها، فكلما طالَع منةً مِنْ مِنَن الله التي لا تقبل الحصر ولا العدَّ، كان ذلك كحَبة زُرعت في أرض قلبه الطيب الزكي، فلا يزال يطالع مِنّةً بعد منّة، وكلُّ منّة أعظم من التي قبلها، لأنه كلما طالع المنن تنوّر قلبه وزداد إيماناً، وكشف من دقائق المنن ما لم يكن يُكشف له قبلُ، وظهر له خفايا المنن، وعظمت محبته.
الثاني: كشْف الحجب، وإزالة الموانع عن ناظر القلب، حتى يرى جمال الحقّ وكماله، والجمال محبوب بالطبع، وهذان هما اللذان قصدت رابعة العدوية- رضي الله عنها-:
أُحِبُّكَ حُبَّين حُبَّ الهَوَى ** وحُبّاً لأنك أهلٌ لِذَاكَ

فأمَّالذي هو حُبُّ الهَوى ** فَشُغْلي بِذِكْرِك عمَّن سِوَاكَ

وأمَّا الذي أنتَ أهلٌ لهُ ** فكَشْفُكِ لِلْحُجْبِ حتى أراكَ

فَلا الحمدُ في ذَا ولا ذَاك لي ** ولَكِنْ لكَ الحَمْدُ في ذَا وذاكَ

وإنما خَصَّصَتْ الحُبَّ الناشئ عن شهود الجمال بالأهلية دون الأول، وإن كان أهلاً للجميع؛ لأن هذا منه إليه، لا كسب للعبد فيه، والآخر فيه كسب، وعمل العبد معلول، وقولها: (فشغلي بذكر عمن سواك) من باب التعبير بالمسبب عن السبب، والأصل: فثمرته شغلي بذكرك عمن سواك، فهو مسبب عن المحبة لأنفسنا، وقولها أيضاً: (كشفك للحجب حتى أراك)، من باب التعبير بالسبب عن المسبب، والأصل، فبسببه كشفك للحجب حتى رأيتك بعينَيْ قلبي. وقولها: (فلا الحمد...) إلخ، إخبار منها بأن الحُبَّيْن معاً منه وإليه وبه في الحقيقة، لا كسب لها في واحد منهما باعتبار الحقيقة، بل هو الحامد والمحمود، وإدراك التفاوت بين المقامين،- أعْني بين المحبة الناشئة عن شهود الإحسان، والناشئة عن شهود الجمال- ضروري عند كل ذائق، وأن الثانية أقوى. قاله في شرح الشريشية.
قال ابن جُزَيّ: اعلم أن محبة العبد لربه على درجتين؛ أحدهما: المحبة العامة، التي لا يخلو منها كل مؤمن، وهي واجبة، والأخرى: المحبة الخاصة التي ينفرد فيها العلماء الربَّانيون، والأولياء والأصفياء، وهي أعلى المقامات، وغاية المطلوبات، فإنَّ سائر مقامات الصالحين: كالخوف والرجاء والتوكل، وغير ذلك، مَبْنِيَةٌ على حظوظ النفس، ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه، والراجي إنما يرجوا منفعة نفسه، بخلاف المحبة، فإنها من أجل المحبوب فليست من المعاوضة.
واعلم أن سببَ محبةِ الله: معرفتُه، فتقوى المحبة على قدر المعرفة، وتضعف على قدر ضعف المعرفة، فإن الموجب للمحبة أحد أمرين أو كلاهما إذا اجتمعا، ولا شك أنهما اجتمعا في حق الله تعالى على غاية الكمال؛ فالموجب الأول: الحسن والجمال، والآخر الإحسان والإجمال، فأما الجمال فهو محبوب بالطبع، فإن الإنسان بالضرورة يجب كل ما يُستحسن، ولا جمالَ مثلُ جمال الله تعالى، في حكمته البالغة وصنائعه البديعة، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار، التي تَرُوق العقول وتبهج القلوب، وإنما يُدْرَك جمالُه تعالى بالبصائر لا بالأبصار.
وأما الإحسان فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وإحسان الله إلى عباده متواتر، وإنعامُه عليهم باطن وظاهر، {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} [إبراهيم: 34]، ويكفيك أنه يُحسن إلى المطيع والعاصي، وإلا المؤمن والكافر، وكل إحسان ينبس إلى غيره فهو في الحقيقة منه وحدَه، فهو المستحق للمحبة وحده.
واعلم أن محبة الله إذا تمكنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح، من الجد في طاعته، والنَّشَطِ لخدمته، والحرص على مرضاته والتلذذ بمناجاته، والرضا بقضائه، والشوق إلى لقائه، والأُنْس بذكره، والاسْتِيحَاش مِنْ غيره، والفرار من الناس، والانفراد في الخلوات، وخروج الدنيا من القلب، ومحبة كل ما يحب الله، وكل من يحب الله، وإيثار الله على كل ما سواه.
قال الحارث المحاسبي: (المحبة ميلك إلى المحبوب بِكُلِّيتِكَ، ثم إيثارك له على نفسك ورُوحك، ثم موافقته سرّاً وجهراً، ثم علمك بتقصيرك في حبه).
قلت: ظاهره أن المحبة أعلى من المعرفة، والتحقيق أن المعرفة أعلى من جميع المقامات؛ لأنها لا تبقى معها بقية من الحجاب أصلاً، بخلاف المحبة، فإنها تكون بقية الحجاب، ألا ترى أن المحب يستوحش من الخلق، والعارف لا يستوحش من شيء لمعرفته في كل شيء.
قال في الحِكَم: (إنما استوحشَ العُبَّاد والزهاد من كل شيء لغيبتهم عن الله في كل شيء، ولو عرفوا الله في كل شيء ما استوحشوا من شيء). وأيضاً. العارف أكمل أدباً من المحب؛ لأن المعرفة إنما تحصُل بعد كمال التهذيب والتدريب، وقد تحصل المحبة قبل كمال التهذيب، مع أن المعرفة هي غاية المحبة ونهايتها، والله تعالى أعلم.
ثم ذكر الحقّ وعيدَ مَنْ أشرك مع الله في عبادته أو محبته، بعد وضوح برهان وحدانيته، فقال: {وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب أَنَّ القوة للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ الله شَدِيدُ العذاب إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا وَرَأَوُاْ العذاب وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب وَقَالَ الذين اتبعوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النار}.
قلت: {لو} شرطية، و{ترى} شرطها، قرأ نافع وابن عامر ويعقوب بالخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم أو لكل سامع، والباقون بالغيب وإسناده إلى الظالم، لأنه المقصود بالوعيد والتهديد، و{إذ} ظرف للرؤية، وموضع {يرون} خفض بالإضافة، قرأ ابن عامر بضم الياء، على البناء للمفعول، والفاعلُ الحقيقي هو الله تعالى، بدليل {يريهم الله}، والباقون بالفتح على البناء للفاعل، على حد: {وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ} [النّحل: 85]. و{أن القوة} معمول للجواب المحذوف، تعظيماً لشأنه، والتقدير: لو ترى يا محمد، أو يا مَنْ يسمَع، الذين ظلموا حين يرون العذاب، أو يريهم الله العذاب، لرأيت أمراً فظيعاً وخَطْباً جسيماً، ولعلمت أن القوة لله جميعاً.
و{جميعاً} حال، أي: أن القوة ثابتة في حال اجتماعها، وقرأ أبو جعفر ويعقوب {إنَّ} بالكسر في الموضعين على الاستئناف، و{إذ تبرأ} بدل من {إذ يرون}، والأسباب: العهود والوُصَل التي كانت بينهم في الدنيا يتوادُّون عليها، وأصل السبب: كل شيء يتوصل به إلى شيء، ومنه قيل للحبل الذي يُصعد به: سبب، وللطريق: سبب، قال الشاعر:
ومَنْ هَابَ أَسْبابَ المَنِيِّةِ يلْقَها ** ولَوْ رَامَ أسْبَابَ السماء بسُلَّم

و{حسَرات}: حال، إن كانت بصرية، على مذهب أهل السنّة، أو مفعول ثالث إن كانت عِلمية على مذهب المعتزلة القائلين بعدم تشخص الأعمال.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولو ترى} يا محمد، أو كل من يتأتى منه الرؤية، حالَ {الذين ظلموا} باتخاذهم الأنداد والأوثان، بعد وضوح الأدلة وسُطوع البرهان، حيث {يرون العذاب} محيطاً بهم، والزبانيةُ تَغْلِبُهم، والنار تلتقطهم، لرأيت أمراً فظيعاً، وخطباً جسيماً، ولعلمت {أن القوة لله جميعاً}، أو لو يرى الذين ظلموا العذاب الذي أُعِد لهم سبب شركهم، لرأوا أمراً عظيماً، وليتقنوا {أن القوة لله جميعاً وأن الله شديد العذاب}.
وذلك حين يتبرأ المتبعون- وهم الرؤساء-، من الأتباع- وهم القلّة الضعفاء- والحالة أنهم {رأوا العذاب} الفظيع، {وتقطعت بهم الأسباب} أي: أسباب المودة والوُصْلات التي كانت بينهم في الدنيا، وصارت مودتهم عداوة، {وقال} حينئذٍ الضعفاء {الذين اتبعوا} شياطينهم في الكفر والضلال: {لو أن لنا كَرَّة} أي: رجعة للدنيا {فنتبرأ منهم} أي: من كبرائهم {كما تبرءوا منا} اليوم. {كذلك} أي: مثل ذلك الإبراء الفظيع {يريهم الله أعمالهم حسرات} ونَدَمات {عليهم} فيدخلون النار على سبيل الخلود، {وما هم بخارجين من النار}.
الإشارة: يا من أقبل على مولاه، وجعل محبة سيده بُغْيته ومُناه، فلم يُشرك في محبة حبيبه سواه، لو رأيت من ظلم نفسه باتباع هواه، وأشرك مع الله في محبته سواه، باتباع حظوظ دنياه، وذلك حين يرون ما هم فيه من الانحطاط والبعاد، وما أعد الله لأهل المحبة والوداد من الفوز بالقرب من الحبيب، ومشاهدة جمال القريب، لرأيت أمراً عظيماً وخطباً جسيماً، ولعلمت أن القوة كلها لله، قَرّبَ مَنْ شاء بفضله الأصاغر، ويقع التفريق بين الأصحاب والعشائر، إلا من اجتمعوا على محبة الحبيب، وتعاونوا على طاعة القريب المجيب، {الأَخِلآَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} [الزّخرُف: 67]. لا تصحب من لا يُنْهِضُك حالهُ، ولا يدلك على الله مقاله- فكل من صحب أهل الغفلة أو رَكَنَ إلى أهل الدنيا فلابد أن يرى ذلك حسرات يوم القيامة، يوم لا ينفع الندم وقد زلّ القدم. ولله دَرُّ صاحب العَيْنية رضي الله عنه حيث يقول:
وَقَاطِعْ مِمنْ واصَلْتَ أيامَ غَفْلةٍ ** فَمَا واصل العُذَّال إلا من مُقَاطعُ

وجَانِبْ جنابَ الأجنبي لَوَ أنَّهُ ** لقُربِ انتسابٍ في المَنَامُ مُضَاجعُ

فَلِلنْفًس مِنْ جُلاَّسهَا كُلُ نسبةٍ ** ومِنْ خُلَّةٍ للقلبِ تِلكَ الطَّبَائعُ

ولما حذَّر الحقّ تعالى من الشرك الجلي والخفي، حذَّر من متابعة المشركين في التحريم والتحليل بلا حكم شرعي.